محمد2050
27-10-2007, 09:18 PM
طه عبد الرحمن والنقد الأخلاقي للحداثة
يتفرد المنتوج الفكري الفلسفي للأستاذ طه عبد الرحمن عن نظيره العربي والمغربي شكلا ومضمونا ويبدو كمن يحلق بعيدا خارج السرب الحداثي العربي، فقد ساهم بدور بارز في تطوير الدرس الفلسفي والمنطقي ومجمل القضايا المتعلقة بفلسفة اللغة منذ انخراطه في تدريس الفلسفة في المغرب في نهاية الستينات من القرن المنصرم، وأثمرت جهوده مكاسب نظرية وعملية تبلورت في الآونة الأخيرة في مجال الآليات المنهجية المنتجة للخطاب الفلسفي، وتدلل مؤلفاته التي أنجزها خلال العقود الثلاثة الماضية على الجهد العميق المبذول في بلورة اختياراته الفكرية والفلسفية والإخلاص المتفاني في البحث عن سبل استئناف التحرير والتنوير من أجل الدخول بقوة في أفق النهضة وروح الحداثة المفقود منذ قرون، توجهت إصداراته الأولى إلى مجال اختصاصه الأصلي وهو المنطق وفلسفة اللغة وكان مصنفه "اللغة والفلسفة" باكورة إنتاجه في نهاية السبعينات أعقبه بكتابه "المنطق والنحو الصوري" إلا أن نهاية عقد الثمانينات شهدت انطلاقته الكبرى وكشفت عن قدراته السجالية المذهلة في نقد التصورات السائدة في الفكر العربي، ظهر ذلك جليا في مصنفاته "في أصول الحوار وتجديد علم الكلام" و"العمل الديني وتجديد العقل" و"تجديد المنهج في تقويم التراث"، وفي التسعينات توجهت عنايته إلى إعادة الاعتبار للقول الفلسفي من خلال مؤلفاته الموسوعية لمشروعه "فقه الفلسفة" صدر الأول بعنوان فرعي "الفلسفة والترجمة" والثاني بعنوان "القول الفلسفي، كتاب المفهوم والتأثيل" وأصدر بينهما كتاب "اللسان والميزان أو التكوثر العقلي"، وتأتي مؤلفاته الأخيرة التي جاءت مع مطلع الألفية الجديدة في سياق النقد الأخلاقي للحداثة من خلال استثمار ولفت الانتباه وإعادة الاعتبار لأهمية التجربة الأخلاقية في التصدي للنزعات المادية الجاهلة والغافلة للعقل الحداثي المجرد، واستبداله بالعقل المؤيد باعتباره أعلى مراتب العقل القادر على إضفاء المعنى في شؤون الفكر والحياة، ويمكن القول ان كتابه "سؤال الأخلاق، مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية" أحد أهم المساهمات النظرية المفتاحية التي تمكن من قراءة المشروع الطاهائي، وتعتبر مؤلفاته اللاحقة شروحا وتوسيعا لمجمل أطروحاته في "سؤال الأخلاق" دون التقليل من عناصر الجدة والعمق والإبداع التي تتحكم في إنتاجه والصرامة والدقة المنهجية وكفاءته الإنشائية الرفيعة وأسلوبه المتفرد بين معاصريه، وهذه المؤلفات هي "الحق العربي في الاختلاف الفلسفي" و"الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري" وأخر ما أصدره كتاب "روح الحداثة، المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية"، وتكشف المؤلفات التي أنتجها طه عبد الرحمن عن دقة متناهية وقوة فائقة في الاستدلال والاستشكال وتتضمن مشروعا فكريا ثريا في نقد التيارات التقليدية والحداثية السائدة في العالم العربي داعيا إلى الانتصار للفكر الفلسفي المبدع.
ينطلق عبد الرحمن في مشروعه النقدي من فكرة جوهرية بلورها في مقدمة كتاب "العمل الديني وتجديد العقل" قوامها المساهمة في التأسيس النظري لليقظة الدينية من خلال بناء وتركيب سندها الفكري والفلسفي المؤسس على الفكر العلمي المحرر على شروط العقلانية المعاصرة، وتخليصها من آفة الغلو في الاختلاف المذهبي الذي نتج عن الغفلة والنسيان لدور التغلغل والدخول في التجربة الإيمانية الحية التي تحمل الإنسان على الترفع عن النزاعات والصراعات المذهبية الضيقة، ولهذا فان الحركات الإسلامية المعاصرة تتميز بكونها حركات بدون إطار تنظيري ومنهجي محكم، وتفتقد إلى "تبصير فلسفي مؤسس"، ولا بد من الشروع في عملية التجديد المنتظر من الأمة الإسلامية بتحقيق شرطيها الأساسيين وهما: شرط الدخول في التجربة الإيمانية التي تمكن من النفاذ إلى عمق الذات للوصول إلى عملية التخلق، وشرط مباشرة التعقل المبني على استيعاب أدوات النظر المنهجي الذي يمكن من تجدد السند العقلي، وبدون هذين الشرطين لا سبيل إلى بناء فكر ديني متجدد يتسم بخاصية الشمول والتكامل، فالعقلانية الأسمى لا يمكن الظفر بها من خلال المقاربات الاختزالية التفاضلية والتجزيئية لمعطيات الفكر والعقيدة الإسلامية، بسبب مقاربتها المشوهة باستعمالها أدوات "منقولة" منفصلة عن الذات لبعدها عن ركن العمل والدخول في التجربة الإيمانية، وزهدها في استعمال أدوات "مأصولة" مستنبطة من التجربة الذاتية للتراث وللغة الحاملة لدلالته ومعناه، ويجتهد الأستاذ عبد الرحمن في صياغة نموذج غير مسبوق في فهم الفعالية العقلية يتعين في ثلاث مراتب: مرتبة "العقل المجرد" وينطبق على صاحبه وصف "المقارب"، ومرتبة "العقل المسدد" وينطبق على صاحبه وصف "بقرباني"، ومرتبة "العقل المؤيد" ويطلق على صاحبه "المقرب"، و تتميز النصوص الناقدة للتوجه التراثي للفكر الفلسفي العربي و الفكر الحداثة بالقدرة على البناء الفلسفي المتشبع بآليات منهجية و لغوية تضع فكر عبد الرحمن في مكانة رفيعة ومتميزة في باب الحجاز الفلسفي و المناظرة الكلامية .
ان الأهمية الكبرى التي ينطوي عليها كتاب "سؤال الأخلاق" كونها تشكل الروح الناظمة و الموجهة لمجمل اختياراته الفكرية والعملية, و مركزية هذا النص تكمن في توظيف مفاهيم مبتكرة في غاية الدقة في نقده للحداثة الغربية و يستخدم لغة و مفاهيم تتصل بتصورات محددة للتاريخ و الإنسان, و يشتغل بعناية فائقة و بمنطق محكم على ما يهدف إليه و يسعى إلى تأسيسه عن طريق عمليات نقدية مبتكرة للمعرفة الفلسفية و العلمية ينطلق من نقده للعقل المجرد و يصله بنقد للنظام العلمي التقني للعالم والعولمة, كل ذلك من أجل الدعوة إلى أخلاق الإسلام و تجديد الفكر الديني عبر التأمل في كيفيات رفع المحاصرة المضروبة على الإسلام و السعي لإعادة تأسيس أركان النظرية الأخلاقية الإسلامية, وينشأ السجال الفكري في بناء النص مخاصما الأسس و الأصول التي انبنت عليها الحداثة و كما تبلورت واقعا في الفكر المعاصر, حيث يعيد الاعتبار للمقوم الأخلاقي باعتباره ما يكون به الإنسان إنسانا وهذا المقوم يكافئ "العقل المؤيد" أما العقلانية التي انتصر لها دعاة الحداثة فهي تكافئ "العقل المجرد" وهو العقل الوضعي و العقل التاريخي الذي لا يملك اليقين بنفع لا ضرر فيه ولا بصواب لا خطأ معه, و يفتح المجال واسعا أخلاق العمق في مقابل أخلاق السطح, من أجل الارتقاء بالإنسان إلى طلب اللامتناهي, و يشدد على الربط بين الأخلاق و الدين باعتباره أصل الأصول و المبدأ الأكبر الموجه لمختلف المعايير المستخدمة في نقد أصول الحداثة التي تستند إلى العقلانية المجردة بمظاهرها المتمثلة في سيادة سلطان القول و نمط المعرفة والنظام التقني و تجدد الهوية المنتظر, و تنبني وحدة الدين والأخلاق على تصور للدين يتجاوز البعد الشعائري وينشد سلوك ديني تكون فيه الشعائر فاعلة وفق معانيها الخفية, وفي سياق نقده للعقلانية المجردة والمسددة يدافع عن العقلانية المؤيدة التي تسلم بوصل القول والفعل وعدم انفصال المعرفة بالله عن العلم بالأشياء وتؤمن بعدم انفكاك الزيادة بالمعرفة عن الفائدة, وهي المرتبة الأسمى من العقلانية التي تمكن صاحبها من تلقي الخطاب القرآني باعتبار أن معانيه تتجاوز الرسوم لأنها مودعة في نفس المتخلق وفي العالم من حوله, وتجعله قادرا على تحمل الرؤيا التي لا تنقطع وذلك عن طريق الاشتغال بالله و التعامل مع الله, هذه الخاصية الجوهرية للفعل الإنساني، والمتخلق بالدين هو وحده من يتمكن من الارتقاء من رتبة العقلانية المجردة إلى رتبة العقلانية المسددة بأحكام الشريعة ثم الوصول إلى رتبة العقلانية المؤيدة, وبهذا يصبح صاحبه مالكا للعقل الكامل الذي يجعله يدرك ما لا يدرك غيره ويصيب حيث لا يصيب.
أما حضارة القول التي تقوم عليها الحداثة الغربية فيمكن درء مفاسدها عن طريق نقد أشكال "التضييق" و"التجميد"و"التنقيص" في سبيل بناء نموذج "التخلق المؤيد" كوسيلة تساعد على امتلاك المبادئ القادرة على التخلص من الآفات السابقة, حيث يتيح التخلق بالصفات الحسنى الاقتداء الحي بأخلاق الرسول موصولا في النهاية إلى الشعور بالسعادة, و محققا النظرة الإنسانية الحائزة على ملكة الذوق الجمالي, وبهذا السلوك يمكن تجاوز الجماليات السفلى والتطلع للجماليات العليا, فالعقل المؤيد يساهم في التخلص من زيف الحضارة الحديثة فتجربة التغلغل الروحي و العبادة تخرج الإنسان من طلب حظوظ السيادة على الكون إلى أداء حقوق العبودية لأسياد الكون, أما بخصوص أركان الأخلاقية الإسلامية فتستند إلى لغة صوفية شفافة و منتجة وذلك بإعادة الاعتبار لمفهوم الميثاق الأول والأخلاق الكونية واستخدام دقيق لميراث عميق مثل "شق الصدر" و"الأخلاق العمقية" و"أخلاق التطهير" و"محسوسية القبلة ومعقولية التعبد" وأخيرا "الأخلاق الحركية", ويجتهد المفكر طه عبد الرحمن في بناء فلسفة أخلاقية إسلامية بواسطة المفاهيم السابقة مستحضرا المسلمات الأساسية في نقد واقع الحداثة الغربية وهي: مسلمة لا إنسان بغير أخلاق ومسلمة لا أخلاق بغير دين, ويصل في نهاية النقد إلى أن الأخلاق الإسلامية أخلاق كونية عميقة حركية, مقابل الأخلاق المحلية السطحية و الجمودية, التي تولدت بفعل سيادة الحضارة الحديثة القائمة على ضرب محاصرة متعددة الأوجه والمظاهر على الإسلام, وتتمثل هذه المحاصرة في عدة مظاهر, الأولى: محاصرة خارجية ترى في الإسلام عملا إرهابيا وخطرا حضاريا وذلك بسبب توظيفه في مقاومة الغزو الاستعماري والتصدي للمركزية الحضارية الغربية, والثانية: محاصرة داخلية تتمثل في مواقف الأنظمة والدول السائدة من العودة إلى الإسلام,حيث تمارس مختلف أشكال التضييق على الحركات و الجمعيات والمنظمات و الجماعات التي تدعو إلى الرجوع إلى الإسلام, والثالثة: المحاصرة الذاتية وتتمثل في وقوع بعض الدعاة في الاقتباس والإتباع وانتقال العمل من المجال التنويري الرباني, وهو مجال التربية الخلقية إلى مجال التسييس و التسيس بدل "التأنيس" الذي يقوم على السياسة الأخلاقية التي لا تربط التخلق بحيازة السلطة, وحصار ذاتي آخر يتمثل في شيوع العقلانية التجريدية التي تقدم النظر على العمل و تقتصر في نظرها المجرد على الضال المتلبس بدلا من التوسل إلى المعرفة بالعقل المؤيد, ويرى عبد الرحمن أن السبيل الأمثل لرفع ضروب المحاصرة المفروضة على الإسلام يكون عن طريق التوسل بالأساليب التنويرية و التحررية التي ينتج عنها تمام العمل و تحقيق الاكتفاء.
يتبع ..
يتفرد المنتوج الفكري الفلسفي للأستاذ طه عبد الرحمن عن نظيره العربي والمغربي شكلا ومضمونا ويبدو كمن يحلق بعيدا خارج السرب الحداثي العربي، فقد ساهم بدور بارز في تطوير الدرس الفلسفي والمنطقي ومجمل القضايا المتعلقة بفلسفة اللغة منذ انخراطه في تدريس الفلسفة في المغرب في نهاية الستينات من القرن المنصرم، وأثمرت جهوده مكاسب نظرية وعملية تبلورت في الآونة الأخيرة في مجال الآليات المنهجية المنتجة للخطاب الفلسفي، وتدلل مؤلفاته التي أنجزها خلال العقود الثلاثة الماضية على الجهد العميق المبذول في بلورة اختياراته الفكرية والفلسفية والإخلاص المتفاني في البحث عن سبل استئناف التحرير والتنوير من أجل الدخول بقوة في أفق النهضة وروح الحداثة المفقود منذ قرون، توجهت إصداراته الأولى إلى مجال اختصاصه الأصلي وهو المنطق وفلسفة اللغة وكان مصنفه "اللغة والفلسفة" باكورة إنتاجه في نهاية السبعينات أعقبه بكتابه "المنطق والنحو الصوري" إلا أن نهاية عقد الثمانينات شهدت انطلاقته الكبرى وكشفت عن قدراته السجالية المذهلة في نقد التصورات السائدة في الفكر العربي، ظهر ذلك جليا في مصنفاته "في أصول الحوار وتجديد علم الكلام" و"العمل الديني وتجديد العقل" و"تجديد المنهج في تقويم التراث"، وفي التسعينات توجهت عنايته إلى إعادة الاعتبار للقول الفلسفي من خلال مؤلفاته الموسوعية لمشروعه "فقه الفلسفة" صدر الأول بعنوان فرعي "الفلسفة والترجمة" والثاني بعنوان "القول الفلسفي، كتاب المفهوم والتأثيل" وأصدر بينهما كتاب "اللسان والميزان أو التكوثر العقلي"، وتأتي مؤلفاته الأخيرة التي جاءت مع مطلع الألفية الجديدة في سياق النقد الأخلاقي للحداثة من خلال استثمار ولفت الانتباه وإعادة الاعتبار لأهمية التجربة الأخلاقية في التصدي للنزعات المادية الجاهلة والغافلة للعقل الحداثي المجرد، واستبداله بالعقل المؤيد باعتباره أعلى مراتب العقل القادر على إضفاء المعنى في شؤون الفكر والحياة، ويمكن القول ان كتابه "سؤال الأخلاق، مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية" أحد أهم المساهمات النظرية المفتاحية التي تمكن من قراءة المشروع الطاهائي، وتعتبر مؤلفاته اللاحقة شروحا وتوسيعا لمجمل أطروحاته في "سؤال الأخلاق" دون التقليل من عناصر الجدة والعمق والإبداع التي تتحكم في إنتاجه والصرامة والدقة المنهجية وكفاءته الإنشائية الرفيعة وأسلوبه المتفرد بين معاصريه، وهذه المؤلفات هي "الحق العربي في الاختلاف الفلسفي" و"الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري" وأخر ما أصدره كتاب "روح الحداثة، المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية"، وتكشف المؤلفات التي أنتجها طه عبد الرحمن عن دقة متناهية وقوة فائقة في الاستدلال والاستشكال وتتضمن مشروعا فكريا ثريا في نقد التيارات التقليدية والحداثية السائدة في العالم العربي داعيا إلى الانتصار للفكر الفلسفي المبدع.
ينطلق عبد الرحمن في مشروعه النقدي من فكرة جوهرية بلورها في مقدمة كتاب "العمل الديني وتجديد العقل" قوامها المساهمة في التأسيس النظري لليقظة الدينية من خلال بناء وتركيب سندها الفكري والفلسفي المؤسس على الفكر العلمي المحرر على شروط العقلانية المعاصرة، وتخليصها من آفة الغلو في الاختلاف المذهبي الذي نتج عن الغفلة والنسيان لدور التغلغل والدخول في التجربة الإيمانية الحية التي تحمل الإنسان على الترفع عن النزاعات والصراعات المذهبية الضيقة، ولهذا فان الحركات الإسلامية المعاصرة تتميز بكونها حركات بدون إطار تنظيري ومنهجي محكم، وتفتقد إلى "تبصير فلسفي مؤسس"، ولا بد من الشروع في عملية التجديد المنتظر من الأمة الإسلامية بتحقيق شرطيها الأساسيين وهما: شرط الدخول في التجربة الإيمانية التي تمكن من النفاذ إلى عمق الذات للوصول إلى عملية التخلق، وشرط مباشرة التعقل المبني على استيعاب أدوات النظر المنهجي الذي يمكن من تجدد السند العقلي، وبدون هذين الشرطين لا سبيل إلى بناء فكر ديني متجدد يتسم بخاصية الشمول والتكامل، فالعقلانية الأسمى لا يمكن الظفر بها من خلال المقاربات الاختزالية التفاضلية والتجزيئية لمعطيات الفكر والعقيدة الإسلامية، بسبب مقاربتها المشوهة باستعمالها أدوات "منقولة" منفصلة عن الذات لبعدها عن ركن العمل والدخول في التجربة الإيمانية، وزهدها في استعمال أدوات "مأصولة" مستنبطة من التجربة الذاتية للتراث وللغة الحاملة لدلالته ومعناه، ويجتهد الأستاذ عبد الرحمن في صياغة نموذج غير مسبوق في فهم الفعالية العقلية يتعين في ثلاث مراتب: مرتبة "العقل المجرد" وينطبق على صاحبه وصف "المقارب"، ومرتبة "العقل المسدد" وينطبق على صاحبه وصف "بقرباني"، ومرتبة "العقل المؤيد" ويطلق على صاحبه "المقرب"، و تتميز النصوص الناقدة للتوجه التراثي للفكر الفلسفي العربي و الفكر الحداثة بالقدرة على البناء الفلسفي المتشبع بآليات منهجية و لغوية تضع فكر عبد الرحمن في مكانة رفيعة ومتميزة في باب الحجاز الفلسفي و المناظرة الكلامية .
ان الأهمية الكبرى التي ينطوي عليها كتاب "سؤال الأخلاق" كونها تشكل الروح الناظمة و الموجهة لمجمل اختياراته الفكرية والعملية, و مركزية هذا النص تكمن في توظيف مفاهيم مبتكرة في غاية الدقة في نقده للحداثة الغربية و يستخدم لغة و مفاهيم تتصل بتصورات محددة للتاريخ و الإنسان, و يشتغل بعناية فائقة و بمنطق محكم على ما يهدف إليه و يسعى إلى تأسيسه عن طريق عمليات نقدية مبتكرة للمعرفة الفلسفية و العلمية ينطلق من نقده للعقل المجرد و يصله بنقد للنظام العلمي التقني للعالم والعولمة, كل ذلك من أجل الدعوة إلى أخلاق الإسلام و تجديد الفكر الديني عبر التأمل في كيفيات رفع المحاصرة المضروبة على الإسلام و السعي لإعادة تأسيس أركان النظرية الأخلاقية الإسلامية, وينشأ السجال الفكري في بناء النص مخاصما الأسس و الأصول التي انبنت عليها الحداثة و كما تبلورت واقعا في الفكر المعاصر, حيث يعيد الاعتبار للمقوم الأخلاقي باعتباره ما يكون به الإنسان إنسانا وهذا المقوم يكافئ "العقل المؤيد" أما العقلانية التي انتصر لها دعاة الحداثة فهي تكافئ "العقل المجرد" وهو العقل الوضعي و العقل التاريخي الذي لا يملك اليقين بنفع لا ضرر فيه ولا بصواب لا خطأ معه, و يفتح المجال واسعا أخلاق العمق في مقابل أخلاق السطح, من أجل الارتقاء بالإنسان إلى طلب اللامتناهي, و يشدد على الربط بين الأخلاق و الدين باعتباره أصل الأصول و المبدأ الأكبر الموجه لمختلف المعايير المستخدمة في نقد أصول الحداثة التي تستند إلى العقلانية المجردة بمظاهرها المتمثلة في سيادة سلطان القول و نمط المعرفة والنظام التقني و تجدد الهوية المنتظر, و تنبني وحدة الدين والأخلاق على تصور للدين يتجاوز البعد الشعائري وينشد سلوك ديني تكون فيه الشعائر فاعلة وفق معانيها الخفية, وفي سياق نقده للعقلانية المجردة والمسددة يدافع عن العقلانية المؤيدة التي تسلم بوصل القول والفعل وعدم انفصال المعرفة بالله عن العلم بالأشياء وتؤمن بعدم انفكاك الزيادة بالمعرفة عن الفائدة, وهي المرتبة الأسمى من العقلانية التي تمكن صاحبها من تلقي الخطاب القرآني باعتبار أن معانيه تتجاوز الرسوم لأنها مودعة في نفس المتخلق وفي العالم من حوله, وتجعله قادرا على تحمل الرؤيا التي لا تنقطع وذلك عن طريق الاشتغال بالله و التعامل مع الله, هذه الخاصية الجوهرية للفعل الإنساني، والمتخلق بالدين هو وحده من يتمكن من الارتقاء من رتبة العقلانية المجردة إلى رتبة العقلانية المسددة بأحكام الشريعة ثم الوصول إلى رتبة العقلانية المؤيدة, وبهذا يصبح صاحبه مالكا للعقل الكامل الذي يجعله يدرك ما لا يدرك غيره ويصيب حيث لا يصيب.
أما حضارة القول التي تقوم عليها الحداثة الغربية فيمكن درء مفاسدها عن طريق نقد أشكال "التضييق" و"التجميد"و"التنقيص" في سبيل بناء نموذج "التخلق المؤيد" كوسيلة تساعد على امتلاك المبادئ القادرة على التخلص من الآفات السابقة, حيث يتيح التخلق بالصفات الحسنى الاقتداء الحي بأخلاق الرسول موصولا في النهاية إلى الشعور بالسعادة, و محققا النظرة الإنسانية الحائزة على ملكة الذوق الجمالي, وبهذا السلوك يمكن تجاوز الجماليات السفلى والتطلع للجماليات العليا, فالعقل المؤيد يساهم في التخلص من زيف الحضارة الحديثة فتجربة التغلغل الروحي و العبادة تخرج الإنسان من طلب حظوظ السيادة على الكون إلى أداء حقوق العبودية لأسياد الكون, أما بخصوص أركان الأخلاقية الإسلامية فتستند إلى لغة صوفية شفافة و منتجة وذلك بإعادة الاعتبار لمفهوم الميثاق الأول والأخلاق الكونية واستخدام دقيق لميراث عميق مثل "شق الصدر" و"الأخلاق العمقية" و"أخلاق التطهير" و"محسوسية القبلة ومعقولية التعبد" وأخيرا "الأخلاق الحركية", ويجتهد المفكر طه عبد الرحمن في بناء فلسفة أخلاقية إسلامية بواسطة المفاهيم السابقة مستحضرا المسلمات الأساسية في نقد واقع الحداثة الغربية وهي: مسلمة لا إنسان بغير أخلاق ومسلمة لا أخلاق بغير دين, ويصل في نهاية النقد إلى أن الأخلاق الإسلامية أخلاق كونية عميقة حركية, مقابل الأخلاق المحلية السطحية و الجمودية, التي تولدت بفعل سيادة الحضارة الحديثة القائمة على ضرب محاصرة متعددة الأوجه والمظاهر على الإسلام, وتتمثل هذه المحاصرة في عدة مظاهر, الأولى: محاصرة خارجية ترى في الإسلام عملا إرهابيا وخطرا حضاريا وذلك بسبب توظيفه في مقاومة الغزو الاستعماري والتصدي للمركزية الحضارية الغربية, والثانية: محاصرة داخلية تتمثل في مواقف الأنظمة والدول السائدة من العودة إلى الإسلام,حيث تمارس مختلف أشكال التضييق على الحركات و الجمعيات والمنظمات و الجماعات التي تدعو إلى الرجوع إلى الإسلام, والثالثة: المحاصرة الذاتية وتتمثل في وقوع بعض الدعاة في الاقتباس والإتباع وانتقال العمل من المجال التنويري الرباني, وهو مجال التربية الخلقية إلى مجال التسييس و التسيس بدل "التأنيس" الذي يقوم على السياسة الأخلاقية التي لا تربط التخلق بحيازة السلطة, وحصار ذاتي آخر يتمثل في شيوع العقلانية التجريدية التي تقدم النظر على العمل و تقتصر في نظرها المجرد على الضال المتلبس بدلا من التوسل إلى المعرفة بالعقل المؤيد, ويرى عبد الرحمن أن السبيل الأمثل لرفع ضروب المحاصرة المفروضة على الإسلام يكون عن طريق التوسل بالأساليب التنويرية و التحررية التي ينتج عنها تمام العمل و تحقيق الاكتفاء.
يتبع ..