المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : "دور الأنبياء في بناء الحضارات "


فلسطينى أنا
09-02-2008, 12:10 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
"دور الأنبياء في بناء الحضارات "
يسر جمعية التجديد الثقافيّة الاجتماعيّة أن تتوجه بالشكر الجزيل للقائمين على "مؤتمر دور اللغة في حوار الحضارات " المنعقد في جامعة أصفهان بتاريخ 24-25 أبريل 2004م تشكركم على هذه الجهود البناءة والمحاور العميقة والدقيقة والتي من المؤمل أن يكون البحث فيها بعيون منصفة وعقلية واعية لتبرز للدين واللغة ما يستحقان من اهتمام باعتبارهما أهمّ ركنين فاعلَين ومؤثرَين في الحضارات الإنسانيّة.
هذه المحاور تؤسس لمبدأ إنساني قويم مفاده أن الحضارة الإنسانيّة هي ثمرة جهود وجهاد الإنسانيّة عبر تاريخها الطويل للنهوض بالإنسان في الفكر والسلوك والمادة، فالحضارات القديمة حاضرة فيما وصل إليه إنسان اليوم من رقي في التشريع والإدارة والصناعة والزراعة والتجارة والعلوم.
هذه المحاور تؤسس لمبدأ السلام والمحبة بين بني الإنسان، وتقول لأبناء الحضارات السابقة أن لأجدادكم إسهامات عظيمة في صرح الحضارة الشامخ، فهيا شمّروا عن ساعد الجدّ من جديد، وكونوا كما كانوا، ولا تكتفوا بالعيش في الماضي والتغني بأمجاد الأجداد فهذا التغني دون عمل ملهاة للعقول وتخدير للهمم، فالزمن لا يقف لأحد ولا يفسح الطريق إلا لمن حدّد وجهته وسعى جادا من أجلها ، وليتذّكر أهل حضارة اليوم ما يحكى عن أحد ملوك الفرس أنه مرَّ بشيخ يزرع النخل فقال له يا شيخ: أتطمح أن تعيش لتأكل من ثمرها ؟ فأجابه الشيخ: زرعوا فأكلنا ونزرع فيأكلون، هذه سنة الحياة كلّ جيل يأخذ ميراث من سبقه ليضيف إليه ثمّ يورثه لمن بعده.
إنسانيتنا لا تكتمل إلا إذا عرفنا حقّ بعضنا وعملنا لإنسانيتنا، عندها سنتوحد ويسود السلام وتصبح الأرض وطن الجميع، فشعار: " نحن أبناء إنسانيّة واحدة مهما اختلفت ألواننا وأعراقنا وأقطارنا وأفكارنا "هو الذي يجمع ويوحد ويصنع من هذا النسيج المختلف نسيجاً جميلاً، هذا التنوع جمال للبشريّة إذا أحسنت توظيفه، فلو كانت الأزهار والألوان والفصول على نحوٍ واحد لأصبحت الحياة مملة، جمال الطبيعة والحياة في تنوعها وكذلك البشرية جمالها في تعدد ألوانها وأعراقها وأعرافها وأفكارها ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ) ، فاعتبر سبحانه اختلاف الألسنة والألوان آية من آياته كخلق السماوات والأرض( وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِلْعَالِمِينَ) ، ول كنّ الإنسان مع الأسف هو الذي حوّل عناصر الجمال والقوة إلى أسباب فرقة وتقاتل لأنّ الحكمة خفيت عليه، ونسأل لِم خفيت عليه؟
خفيت عليه لأنّه غمط البناة الحقيقيين للحضارة حقهم وهم الأنبياء عليهم السلام، فلولاهم ما قامت حضارة ولا نشأت مدنية ولا انطلق عقل من عقاله ولا سال قلم ببيانه، فهم الذين أثاروا دفائن العقول لتفكر وتسأل أسئلة فطريّة لازلنا نسألها حتّى اليوم، من نحن ؟ من خلَقَنَا ؟ ولماذا ؟ وماذا يريد منا ؟وما واجبنا نحوه ؟ وماذا بعد الموت ؟ ثمّ قدموا الإجابات الشافية الوافية على هذه الأسئلة؛ فجماعات آمنت وأخرى كفرت ونشأ بين هذين الضدين المؤمنين والكافرين حوار وصراع حرّك العقول وأطلق الألسن ونقل اللغة إلى أطوار جديدة، فالحوار يحتاج إلى زاد لغوي فغدت اللغة تعبر عن خفايا العقل والروح بعد أن كانت لا تعبر إلا عن بعض المسميات الماديّة.
كان الأنبياء وخلائفهم منْ حكماء الأمم ومعلّميها ومصلحيها أوّل من أرسى دعائم الخلق القويم في الحضارات الإنسانيّة مثل: الصدق، الأمانة، والشرف، الانسجام الأسري، المحبّة، الشجاعة، التسامح، الاحترام، الحياء، الوفاء، الاجتهاد، التواضع، الصبر، التعقل، ضبط النفس، الكرم، السخاء، الشفقة، المواساة، العرفان بالجميل، النيّة الحسنة، احترام الكبير، حماية الصغير، والرأفة بالضعيف، والقرآن الكريم ينقل لنا طَرَفاً من أخلاقهم فأبرز من خلق نوح (ع) النصح والأمانة ( أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ) ، ومن خلق إبراهيم (ع) الحلم والتأوه ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِي مٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) ، ومن خلق إسماعيل (ع) صدق الوعد ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ).
لقد عالج أنبياء الله الكرام المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي كانت تعصف بالحضارات فتصدى لوط (ع) للشذوذ الجنسي (وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ * إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ) ، وعالج نبي الله شعيب مسألة الغش التجاري (وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ)، وجاء يوسف (ع) بالتخطيط الاقتصادي للموارد (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ )
لقد أمدّ الأنبياء الكرام البشرية بالعلوم الماديّة فنقلوا البشريّة نقلات واسعة على سلم الحضارة والمدنيّة معاً، فنوح (ع) صنع سفينة عظيمة بناها ليحمل فيها كلّ من يصلح لبناء الحضارة الإنسانية وما تحتاجه إليها حياتهم وسط طوفان هائل ( وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ) ، فكيف قطع الأشجار الضخمة ؟ وبأي آلة ؟ وكيف نقل الأخشاب وصنع الدسر وأشاد هيكل السفينة العظيم بدون مثال ؟ ! فعل ذلك بوحي الله وتسديده ( وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا ) ، هذه السفينة وأمثالها هي التي علّمت الإنسان ركوب البحر ولازال نموذجها إلى اليوم قائماً، ولا يخفى أن ركوب البحر نقلة حضاريّة ضخمة سهَّلت على الإنسان السفر ونقل البضائع والعلوم، وأدريس (ع) علّم النّاس الخياطة، فأحدث نقلة حضاريّة عظيمة، فباللباس تجمّل الإنسان وتجمل منزله ونما ذوقه حتّى غد ا لكل حضارة ذوقها في الزي والأثاث ، وداود أحد الذين أسهموا في تعليم الناس صناعة الحديد (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) ، وذو القرنين علّم البشرية صهر المعادن ( آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً) وسليمان (ع) الذي سخّر الله له الجنّ والرياح وعلّمه منطق الطير فأضاف على من سبقه في تعليم النّاس فنّ العمارة والبناء ( قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ ) ، حسبت مدخل القصر المصنوع من الزجاج ماء لدقة صنعته، ولا شكّ أن هذه الصناعات أسهمت في تطوير الصناعة والذوق الرفيع والفن الجميل.
وأمدّ الأنبياء (ع) الإنسانيّة بقوانين تنظم حياتهم الأسرية والاجتماعيّة، فأرسوا دعائم نظام قضائي لحفظ دماء البشرية ( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ) ، و في حُكْمَيْ داود وسليمان عليهما السلام في مسألة الغنم تربية وشحذ للاجتهاد( وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً) .
فإذا كان ما ألمحنا إليه هو بعض جهود الأنبياء وورثتهم في صنع الحضارة بتعليم من الله فإن اللغة التي هي وعاء الفكر والعنصر الفاعل في بناء أساس كل حضارة إنما هي نفخة الروح الإلهية في الإنسان ولولا هذه النفخة الإلهية لبقي الإنسان بشرا عجماويا كباقي الحيوانات ، ابتدأت لغة الإنسان الأول من بقعة جغرافية واحدة ثم حدثت هجرات متعددة عبر آلاف السنين واختلفت الألسن وتمايزت بفعل البعد الزماني والبعد المكاني بين الفروع والأصل ، وعلماء فقه اللغات اليوم يجدون دلائل للغات المولدة لبقية اللغات ، فالفينيقية مثلا والسريانية والعربية العرباء ماهي إلا لهجات للعربية القديمة ذات (الاثنين والعشرين حرفا ) حيث تطورت العربية بعدئذ ودخلت عليها ( ستة أحرف ) لتدعى ب (العربية الفصحى ) التي نزل بها القرآن الكريم وسمّاها " اللسان العربي المبين"
إن قناعتنا بأن الباحث المتأني في مثل محاور مؤتمركم الهادف سيفرز نتائج باهرة تشكل ثقافة جديدة وتصورا ثريا في فهم الحضارات الإنسانية ومنها:
1-أن الحضارات نشأت من مصدر واحد ثم انتشرت في العالم.
2- أن بعض اللغات مثل الآرامية إنما هي تسمية التوراتيين، وآرام هو ابن سام بن نوح (ع) لم يخترع لغة وإنما تكلم بلغة آبائه وهي السريانية .
3- أن سام بن نوح (ع) كذلك لم يخترع لغة له بل تكلم بلغة آبائه ، فليس من المعقول أن ينسلخ الابن المباشر عن لغة أبيه وأجداده ويكّون لغة أخرى كما اصطلح عليها المستشرقون ب(اللغة السامية ) .
4- أن السائد الغالب في ثقافة الشعوب بأن الأساطير مفهوم رديف للخرافة ، في حين أن الخرافة هي تخيل لا واقع له بينما الأساطير هي من وحي أحداث تاريخية قد تزيد عن الحقيقة أو تنقص فتدخل فيها المحسنات البديعية والبيانية لتسهيل حفظها، وأن دراستها من خلال أصول اللغات المولدة للحضارات تظهر أنها تشترك في أصل واحد وهو الدعوة للتوحيد والأخلاق وتنظيم مسير الإنسان سواء منها (الشاهنامة الفارسية – أو جلجامش أو هوميرودوتس أوغيرها من ملاحم في الأمم) والقرآن نفسه يشهد بذلك : (وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) فالكافرون إذا عرضت عليهم عقيدة التوحيد يعارضونها ويرجعونها إلى أصلها القديم، وتسميتها " أساطير " باعتبار أن الأساطير هي التي تحمل عقيدة التوحيد والخلق ، فدراستها من هذا المنظور مدخل لتوحيد الثقافات والشعوب، وأما الرسومات على المسلات والجداريات ما هي إلا لغة كتبت للأجيال قبل أن تتطور لغة الحروف والأصوات لتعبر عن خلق الإنسان والكون وارتباطه بآله الخصب والنماء وما إليها من معاني التوحيد لا أنها رموز لعبادة الشرك والأوثان كما ظن علماء الآثار واللسانيات وفسروها كذلك، بل هي تحمل علما راقيا يضارع ما يكتشف اليوم من حقائق .
إن قناعتنا في جمعية التجديد أننا نشترك معكم في ذات الهم لنؤدي دورنا معكم تجاه إبراز حضارة الإنسان بلغة السلام متى ما احترمنا ثقافة الشعوب وقاربنا بين مشتركات الحضارات من أجل إبراز دور لغة السلام العالمي ، ذلك الغد المأمول والفجر الآتي بعد ظلام وتيه أسهم في ترسيخه المغالطون والمستنفعون لتقطيع كل وشائج القربى بين الإنسان وأخيه وبين الإنسان وخالقه وبين الكون وخدمته للإنسان على السواء .
أملنا عظيم أن تخرجوا بمقولات و بتوصيات تتفاعل مع كل الموحدين في الأرض في التعريف بأدوارهم ، ليقيموا اعوجاج الإنسان في الفكر والسعي ، ويعيدوا إليه إنسانيته السليبة، وإن من أمنياتنا أن تزداد معرفة الإنسان يوما بعد آخر بالقرآن العظيم فهو الذي يحوي نظرية الوجود الكوني والإنساني وتفسير التاريخ ، وهو كتاب الله المفتوح للإنسانية كلها، يترجم بما يستطاع من حقائقه ومعانيه بكل لغات العالم ، وتشجع البحوث فيه في مراكز البحث وبين العلماء و المختصين.
عسى أن تصلوا في حواراتكم ونتائج مؤتمركم أيها السادة الأفاضل إلى إقرار لغة السلام حتى يطلع على الشعوب، فجر الحضارة العالمية الوارثة .

زهرة الثلج
11-02-2008, 06:28 PM
وأمدّ الأنبياء (ع) الإنسانيّة بقوانين تنظم حياتهم الأسرية والاجتماعيّة،

مشكور فلسطيني انا

القيصر
11-02-2008, 06:41 PM
يسلموووووووووووووووووووووو
علي معلوماتك الرائعة

ننتظر المزيد