مصطفى عاشق M
24-11-2010, 06:26 PM
أهمل مؤرّخو الغرب المتخصصون في تاريخ الشرق الأدنى القديم و حضارته ، دراسة التاريخ الفلسطيني ، و لم يخصّصوا في دراستهم الخاصة بشعوب الشرق الأدنى القديم أي ذكرٍ خاصٍ بتاريخ الفلسطينيين في شكل عمل مستقل ، أو حتى في شكل فصل مستقل من فصول الدراسة .
و هذا الإهمال مقصود لذاته بسبب سيطرة المؤرّخين اليهود و الصهاينة على مجال الكتابة التاريخية عن فلسطين ، و لذلك فقد أخرجوا تاريخ الشعب الفلسطيني القديم من دائرة البحث كشعبٍ من شعوب الشرق الأدنى القديم ، و مركّزين تركيزاً شديداً على دراسة تاريخ (الإسرائيليين) ، و ذلك لتأصيل الوجود الصهيوني المزعوم في فلسطين ، باستبعاد الفلسطينيين الذين سميت المنطقة باسمهم .
و يبدأ تاريخ فلسطين عملياً لهؤلاء الكتاب فقط عند بدء تاريخ "إسرائيل" و عندما تصبح فلسطين في وفاقٍ و انسجام تامّين مع "إسرائيل" ، و السبب في ذلك لا يمكن أن نقول إن بؤرة التركيز هي على تاريخ "إسرائيل" ، أو الادعاء بأن سرد هؤلاء المؤرّخين للتاريخ يبدأ عند ظهور "إسرائيل" على مسرح الأحداث ، ذلك لأنهم جميعاً يعالجون فترات ما قبل ظهور "إسرائيل" أو (الإسرائيليين) ، و لكنهم جميعاً يرفضون بثبات استعمال تعبير "الفلسطينيين" للدلالة على المكان، حتى إن استعملوا تعبير فلسطين للدلالة على أشياء جامدة مثل : المكان المادي و الاقتصادي .
إن رفض استعمال صفة واحدة لنعت سكان المنطقة هو إذاً إنكار للوجود و للتاريخ الفلسطيني ، و لهذا فإن فلسطين توصف على أنها منطقة صغيرة و فقيرة و معزولة . و هذه أوصاف شائعة في الدراسات التوراتية ، ثم يتغير هذا الوضع وتصبح فلسطين مرموقة فقط بسبب الوجود التاريخي المزعوم لـ (إسرائيل) فيها ، و على هذا فإن الدراسات التوراتية متورّطة في تجريد الفلسطينيين من وطنهم ، و لهذا مقابل سياسي معاصر متمثل في السيطرة الصهيونية على الأرض و سلب الشعب الفلسطيني من أرضه و تصويره على أنه شعب بلا تاريخ أو تجريده من هذا التاريخ . و هكذا نرى أن الخطاب التوراتي يجعل الفلسطينيين شعباً غير ذي أهمية ، و في نهاية الأمر غير موجود .
يختلف الباحثون و الأثريون حول أصل الفلسطينيين ، فمنهم من يعتبرهم مجموعة من شعوب البحر ، و اعتبرهم آخرون أنهم من سكان فلسطين أصلاً و امتزجوا بمجموعات شعوب البحر الذين أثّروا في حضارتهم ، و أدخلوا عليها مواداً و عادات جديدة أصبحت متميزة في الكثير من مواقع الساحل الفلسطيني الجنوبية ، و ما زال النقاش محتدماً حول موطنهم الأصلي ، مع الأخذ بعين الاعتبار أن أصحاب الرأي الأول غالباً ما كانوا من التوراتيين أو المتأثرين بالدراسات التوراتية التقليدية .
و لهذا ستتناول الأسطر التالية أهم الآراء التي تكوّنت عن الفلسطينيين ، و ذلك بما يسمح به إطار هذه الدراسة ، و ما يتيسّر من معلومات و مصادر تتعلق بهذا الموضوع .
الفلسطينيون في المصادر القديمة :
"الفلسطينيون" مصطلح يطلق على القبائل التي استوطنت شاطئ فلسطين – كنعان - الجنوبي الغربي من غزة جنوباً إلى يافا شمالاً ، و منهم جاءت تسمية فلسطين التي ما زالت مستعملة حتى يومِنا هذا للدلالة على أرض فلسطين الحالية ، و أهم المدن التي استوطنوها (غزة و عسقلان و أشدود و عقرون و جت) و كانت مدن الفلسطينيين هذه على الساحل عدا مدينة "جت" التي كانت تمتد قليلاً إلى الداخل ، و لم يؤسس الفلسطينيون مستعمرات ما عدا مدينتي "اللد" و "صقلغ" في أقصى جنوبي مدينة يهوذا .
وأقدم ذكرٍ للفلسطينيين ورد في النصوص المصرية و الآشورية ، فقد سميت بلادهم باسم "بالاستو" فلسطين Palastu أو بيلسيتوPilistu ، و هو نفس الاصطلاح اليوناني فلستيا Philidtia الذي أصبح باليستينا (فلسطين) ، و قد كثر ذكرهم في التوراة ، فقد سمتهم التوراة كفتورين ، و ذكرت أن وطنهم في جزيرة كفتور المناظرة لكفيتو في المصادر المصرية و التي يقولون إنها جزيرة كريت .
و في التعريف بـ "فلسطين" و "الفلسطينيون" في المصادر اليهودية نجد تعتيماً شديداً و إيهاماً بأن الفلسطينيين شعب غريب ليست له أصول في المنطقة ، ففي دوائر المعارف اليهودية يرد الحديث عن فلسطين و الفلسطينيين في شكل مقتضب و غامض يوحي للقارئ بعدم أهمية المكان و سكانه ، و يؤكّد على عدم أصالته و على كونه شعباً غريباً .
الفلسطينيون من شعوب البحر الأبيض المتوسط تعود أصولهم إلى مواقع في آسيا الصغرى و اليونان و أتوا إلى فلسطين في موجات متعاقبة . و قد أتت إحدى هذه الموجات قبل عصر الآباء ، و استقرت جنوب بئر السبع ، حيث دخلوا في صراع مع إبراهيم و إسحاق ، و أتت موجة أخرى من كريت بعد طردها من مصر على يد رمسيس الثالث في 1194 ق.م فاحتلت المنطقة الساحلية من جنوب فلسطين ، حيث أنشأوا خمس مدن هي : غزة و عسقلان و جت و أشدود و عقرون ، و لأنهم شعب محارب بالفطرة فقد تسيّدوا أجزاء أخرى من يهوذا زمن العصاة و هزموا شاؤول لكن داود هزمهم و وضع نهاية لسيادتهم ، و بعد سقوط المملكة الإسرائيلية استعاد الفلسطينيون استقلالهم ، و لكنهم لم يصبحوا أبداً عاملاً رئيسياً في المنطقة .
و في العصرين الفارسي و اليوناني تغلّب مستوطنون أجانب من جزر البحر المتوسط على المدن الفلسطينية ، و أطلق اليونان منذ هيرودوت اسم فلسطين على هذه المنطقة نسبة إلى الفلسطينيين (فلسطين السورية) ، و في عصر هارديان أطلق الرومان هذا الاسم رسمياً على إقليم يهوذا"(1) .
و قد تطور معنى كلمة فلستي Philistine عبر التاريخ و طرأت عليه تغيرات مهمة : فهي تعني بالنسبة للإنسان الغربي اليوم الفلسطيني القديم ، و تجدر الإشارة إلى أن وصف Philistine يستعمل لوصف الشخص المادي النزعة و الفج المعادي للثقافة ، و هو إنسان محدود الأفق ، و بعيد عن الثقافة الرفيعة كما يعرفه قاموس أكسفورد ، و هو تعريف ينمّ عن تأثير التفسير التوراتي للتاريخ لمصلحة اليهود .
و قد بلغ التشويه إلى حد أن الدعاية الصهيونية روّجت للقصة التوراتية عن جليات و داود ، حيث تصوّر انتصار داود الصغير بالمقلاع على جليات ، و كان من جبابرة الفلستين إذ بلغ طوله أكثر من تسعة أقدام ، و كانت أدواته الحربية مناسبة لطوله و قوته ، و يرى د. عبد الوهاب المسيري في "موسوعة اليهود و اليهودية و الصهيونية" أن الدعاية الصهيونية نجحت في ترسيخ صورة داود رمزاً لـ (إسرائيل) ، الذي يستخدم ذكاءه و مهارته في هزيمة عدوه ، مقابل صورة جليات رمزاً للعربي الذي يتسم بضخامة الحجم و كثرة السلاح ، و لكنه لا يستخدم عقله فيُمنى بالهزيمة (2) .
و يجب أن لا نظنّ أن أسلاف عرب فلسطين كانوا يمثّلون البربرية بكل مظاهرها ، لأنهم كانوا فلاحين ، و لأنهم أقاموا على الوثنية أمداً طويلاً ، فيذكر روبنسون : "لقد كان الفلسطينيون يملكون ثقافة متقدّمة و عريقة" ، و يضيف قائلاً : "إنها سخرية عجيبة من سخريات القدر أن كتب على لفظة فلسطيني أن تكون مرادفة لكلمة بربري ، و قد نشأ هذا الاستخدام اللفظي : لأن تاريخ أيامهم وصل إلينا عن طريق (الإسرائيليين) الذين لم يكن في ضميرهم إنصاف لأعدائهم(3).
نظريات حول أصل الفلسطينيين :
يؤرخ جـ. ل. مايزر لأصول الفلسطينيين قائلاً : "إن الزائرين المينيين معروفون زهاء قرن من الزمان في البلاط المصري ، و قد كان المصريون يدعونهم كيفتو حتى عهد أمنحوتب الثالث ، و كانوا يقدمون مصر زائرين و تجاراً و على رؤوسهم تلك الجدائل من الشعر التي كانت إحدى مميزاتهم ، كما كانوا يلبسون جلابيبهم ذوات الألوان الزاهية ، كما كانوا يجلبون معهم أنماطاً من مصوغاتهم الفنية من الذهب و الفضة .
و لكن قدوم الكيفتو Kiftiu انقطع منذ تربع أمنحوتب الثالث على عرش مصر و حلّ محلهم الشاردانا Shardana و الدانونا Danauna و هؤلاء هم رجال حرب سواء كانوا مخاصمين أم مأجورين ، و بعض هؤلاء ألحقوا بالجيش المصري و عهد إليهم أن يمنعوا أبناء جلدتهم من دخول البلاد ، و إذا ما اعتمدنا على رواية مانتيون أحد المؤرخين الوطنيين - فإن أحد هؤلاء الحراس أنفسهم جعل نفسه ملكاً بعض الوقت إبان الفوضى التي كانت سائدة في البلاد عقب وفاة إخناتون حوالي سنة 1365 ، و لم تنقطع شاردانا Shardana عن شن الغارات ، حيث ظلت تقوم بغارات متوالية بين الفينة و الفينة إلى سنة 1200 .
و لم يكونوا منفردين بالإغارة بعد سنة 1300 ، بل أسهم فيها معهم عدد من الشعوب الأخرى ، أخذ في الزيادة فضلاً عن أن غاراتهم كانت أوسع مدى و أبلغ ضرراً ، و أكبر اعتداءين وقعا في عامي 1230 و 1200 ، و كان الاعتداء الأول في عصر مرنفتاح و كان يصحبه غزو من طريق الساحل قام به الليبيون على غرب الدلتا ، و لم ينفرد الليبيون و الشاردانا بالغزو ، بل قام بالغزو كذلك الإخيفاشا Akhaivasha و الشاكلشا Shakalsha و التورشا Tursha و اسم الأول من هؤلاء أصبح منطبقاً في العصر الحاضر على الآخينين Acheans و أواخر هذه الأسماء تشبه النهاية التي في آخر كنوس Cnossus و سجالاسوس Sigalassus و بعض أسماء بلاء أخرى إيجيه ، و الاسمان الأخيران و هما لا يزالان موضع تحقيق و بحث قد زاد الاعتقاد الآن بأنهما مشتقان من أصل إيجي .
و ليس من شك أن هناك اتجاهاً قوياً إلى اعتبار التورشا Tursha هم التورسيني Turseni الذين استوطن بعضهم اترويا Etruria و أن الشاكلشا و الشاردانا أطلقوا أسماءهم على أوطانهم الحديثة كذلك في صقلية و كردينيا .
و وقع اعتداء ثانٍ في السنة الثامنة من حكم رمسيس الثالث اشترك في القيام به قوة برية و قوة بحرية ، و كان مصدرها هذه المرة الجانب السوري ، و كان من بين المعتدين الدانيونا Danauna و الشاكلشا و قد اعتدوا على مصر من قبل و شاركهم التكراي Tikkarai و قبائل أخرى حديثة بعضهم فيما يبدو من الإيجيين و بعضهم من شمال سورية، و من آسيا الصغرى ، و كان منهم قوة من الحيثين ، و لعل الباعث هذه المرة أكثر وضوحاً منه في المرة السابقة .
فإن القوة البرية قدمت تصحبهم أسرهم و متاعهم على مركبات كبيرة ذوات عجل ، و القوة البحرية في سفن شراعية كبيرة ، و في أعلى صواريها علامة الحرب ، و كانت أسطح السفن ملأى بأبطال في عدة طيبة من الأسلحة على حد تعبير أعدائهم الشجعان ، فمن الواضح إذاً أنهم قدموا للاستقرار ، و مع أن ملك مصر حال دون دخولهم على إثر معركة حامية وقعت في جنوب سورية و معركة أخرى بحرية ، فقد كان عليه أن يتصرّف في أمر من لم يقتل من المحاربين ، و في أمر من لم يشترك في القتال كذلك ، و كان يقيم بالسهول الساحلية في فلسطين خليط من الوطنيين و الأجانب ، فامتداد هؤلاء بالفئة الحديثة القادمة يجعل من هؤلاء الأهالي المحبين للحروب المدينين بالولاء لمصر حائلاً دون أي اعتداء على مصر مستقبلاً ، و هذه هي عين السياسة التي جعلت مصر تتخذ من الشاردانا حراساً لها من قرن من الزمان .
و كان اسم أشهر هؤلاء النزلاء البلشتا Pulishta لا يبعد أن يكون هذا اللفظ من الأصل اللغوي للاسم الغامض البلاسجيين Pelasgi و هو اسم نقله الكتاب الإغريق من شعبٍ قديم من القراصنة في المنطقة الإيجية ، و لا ريب في أنه اسم ينطبق على اسم الفلسطينيين و على لفظ فلسطين الذي انتقل من الساحل حتى أطلق على سورية الجنوبية كلها (4) .
و يفترض "جي - إي - رايت" افتراضاً على منوال تاريخ "مايزر" لأصول الفلسطينيين ، فيذكر أن "شعوب البحر المهاجرين قد وطدوا أنفسهم على الساحل الفلسطيني كمستعمرات مرتزقة ، حيث أصبحوا وكلاء ثم خلفاء للسلطة المصرية في فلسطين" (5) .
و قد وصلت إلى أيدي علماء الآثار معلومات وافية عن الفلسطينيين في الكتابات و النقوش التي سجّلها "رمسيس الثالث" علىِ جدران معبد "آمون" في مدينة "هابو" غربي مدينة طيبة ، و قد ملأت هذه الكتابات و النقوش آلافاً من الأقدام المربعة كلها منحوتة على الحجر ، و قد احتوت على سجلٍ كاملٍٍ لحملات الفراعنة و حروبهم .
و قد شغلت تسجيلات رمسيس الثالث حيّزاً كبيراً من هذه الكتابات و النقوش عن انتصاراته في البر و البحر على حشود الفلسطينيين الذين غزوا مصر في عهده .
و يستبان من هذه السجلات أن الفلسطينيين قد أثاروا الرعب و الفزع في صفوف المصريين لقدرتهم و تمرّنهم على القتال في البحر و البر ، فيصفهم رمسيس الثالث بقوله : "لم يستطع أي قطر من الأقطار أن يصمد أمام قوتهم القاهرة ، فقد دمّروا أرض الحيثين و كود و كركميش و قبرص كلها دمّرت بضربة واحدة ، سحقوا شعوبها و دمّروا أراضيها و لم يتركوا لها أثراً حتى أصبحت و كأنها لم تكن ، و حملوا على مصر و بسطوا أيديهم على جميع البلاد إلى أبعد أطراف العالم و قلوبهم عالية عامرة بالثقة بأنفسهم ، و لكن تخطيطنا سينجح" .
و يصف رمسيس الثالث بعد ذلك المعركتين اللتين خاضهما معهم إحداهما برية و الثانية بحرية ، و انتصاراته عليهم مع تصاوير توضيحية لهذه المعارك ، و يستبان من هذه التصاوير - بحسب رأي الدكتور "أحمد سوسة" - أن الفلسطينيين يتميّزون بلباس الرأس المليء بالريش ، و سحنتهم هي أقرب إلى الأوروبيين و بوجه خاصٍ إلى اليونانيين و سلاحهم السيف العريض ، و كانوا يحملون دروعاً مدوّرة و رماحاً مسننة و معهم عربات ذات عجلات مدوّرة من قطعة واحدة تجرّها الثيران المحدبة الضخمة (6) .
أما العالم الأثري الأمريكي "جيمس هنري برستد" فالرأي عنده أن أهالي بلست و هم الفلسطينيون - إنما أصلهم من جزيرة كريت (7) . و يشير (هول) إلى أن الفلسطينيين قد أتوا مع الشاردانا و جموع من شعوب البحر من زاوية جنوب غرب آسيا ، و هناك ما يدعو إلى الاحتمال بأن القبائل الكارية و من بينهم الفلسطينيون قد احتلوا نهاية شرق كريت ، و ذلك عند سقوط قوة كنسوس و انهيار الحضارة المينوية .
ثم يقرّر هول بعد ذلك أن موطن الفلسطينيين إنما كان في حقيقته في ليسيا و كاريا ، و يقرّر بونفايت بعد دراسة لغوية لتغيير اسم الفلسطينيين أن الفلسطينيين شعب "هندو أوروبي" أتى من كريت ، و لكنه لم ينشأ بها أصلاً .
و يذهب ويترايت إلى أن الفلسطينيين من كفتور ، و لكنه يرى أن كفتور ليست كريت ، ذلك لأن فكرة أن كفتور هي كريت لا تعتمد على شيء أكثر من ترجمات التوراة التي تتحدث عنها على أنها "جزر كفتور" ثم وجد بعد ذلك أن جزيرة كريت هي جزيرة مناسبة و كبيرة تصلح للغرض ، و رغم ذلك فإن الكلمة العبرية التي ترجمت "جزر" إنما تعني أصلاً الأرض الساحلية ، و تستعمل مثلاً لشاطئ فلسطين ، و هناك أدلة أثرية تجعل الإصرار على الاعتقاد بأن كفتور هي كريت ، يجرّنا إلى اضطراب لا نهاية له .
و يرى ويترايت بعد ذلك أن الفلسطينيين قد أتوا من كفتور ، و أن كفتور هذه إنما كانت بلداً عند نهر كاليكادنوس ، كما يظهر ذلك من ترجمة كفتور بقبادوقيا في الترجمة التوراتية سبتواجنيتا مرتين ، ذلك لأن المترجمين ربما كانوا في عمل بمملكة قبادوقيا العظيمة ، كما أن كابديروس إنما كان لقباً لملك كفتور ، و التي تعادل هنا "سليسيا" و من ثم فمن الواضح أن الفلسطينيين كانوا قد احتلوا "سليسيا" الغربية ، و الأكثر احتمالاً المنطقة أعلى و أسفل نهر كاليكادنوس إنما كانت من سليسيا - ترشيا و سواحلها .
و ينتهي "وينرايت" إلى أن مجموعة قبائل الفلسطينيين ثيكر و دنين إنما يكوّنون مجموعة من القبائل في سليسيا ، الفلسطينيون و الثيكر في الجزء الغربي من البلاد ، بينما دنين في الجزء الشرقي منها (8) .
و يذكر المؤرخ الدكتور "فيليب حتى" أنه مما يساعد في الدلالة على أن الفلسطينيين كانوا أوروبيين - الرسوم التي وجدت على البناء التذكاري الذي أقامه "رمسيس الثالث" ، كما يدل على قدومهم من جزر اليونان و خاصة كريت نموذج الخزف الذي أدخلوه ، و بما أنهم أتوا معهم بنسائهم ، فإنهم ظلّوا مترفعين في أول الأمر يشكّلون طبقة عسكرية أجنبية تقيم في الحاميات ، و تمثل حضارة أجنبية ، و قد نظّمت مدنهم الخمس بشكل ممالك مدن كل منها تحت حكم سيد ، و لكنها جميعاً كانت تشكل اتحاداً ، و يبدو أن السيادة كانت لمدينة أشدود (9) .
و يرى العالم الأثري التوراتي "وليم أولبرايت" أن الفلسطينيين قد جلبوا حضارتهم الخاصة معهم ، و لكنهم سرعان ما اندمجوا و امتزجوا مع الكنعانيين الذين هزموا على أيديهم (10) .
و هذا ما يؤكّده "لودس" في كتابه "إسرائيل" من أن الفلسطينيين قد "تكنعنوا" على حدّ قوله بسرعة في حوالي القرن الحادي عشر قبل الميلاد في خلال فترة تقل عن 150 عاماً بعد استقرارهم على أرض فلسطين ، و أن الإله الرئيسي الذي كانوا يعبدونه هو "داجون" و قد ورد ذكره في التوراة و هو بلا شك نفس الإله "داجان" إله الغلة الذي يعبده الكنعانيون (11) .
عرب لا أوروبيون :
يذكر الأستاذ "روبرتسن سميث" أن الفلسطينيين يوصفوا أحياناً بأنهم شعب غير سامٍ ، و من الجدير بالذكر أن بعض الباحثين يخطئون تسميته السامية ، يطلقون عليها اسم الجزرية أو الهجرات الجزرية على اعتبار أن موطنها الأول هو الجزيرة العربية ، إلا أنه ثبت عدم كفاية الأسانيد التي تؤيد هذا الرأي ، و رغم دخولهم إلى فلسطين عبر البحر ربما من كريت ، إلا أنهم كانوا إما من أصل سامي –جزري - أو كانوا على الأقل يصطبغون بالصبغة السامية - الجزرية بالفعل سواء في اللغة أو في الديانة لدى هجرتهم (12) .
فآخر الدراسات التاريخية تشير إلى أنه يبدو أن سكان كريت الأول ، و الذين أقاموا الحضارة المينوية الزاهرة فيها ، وصلوا إليها ما بين الألف الرابع و الثالث قبل الميلاد من آسيا الصغرى ، و أغلب الظن أن حضارتهم تأثّرت بالحضارة السومرية ، و لقد أصبح الآن معروفاً أن أهل كريت كانوا يتحدّثون لغة سامية - جزرية إلى جانب اللغة اليونانية في صورتها البدائية ، بالرغم من أن الوثائق سجّلت اللغتين مكتوبتين بطريقة مقطعية واحدة .
أما من ناحية الجنس ، فقد قام بعض العلماء بفحص جماجم الكريتيين ، و تبين أنها مستطيلة الشكل ، و أنها تدل على جنس البحر الأبيض المتوسط ، و لكن بعضها كان مستديراً ، و يبدو أن الجنس الألباني اعتاد التردد على الجزيرة (13) .
و يشير "توماس طمومسون" إلى أن كلمة فلسطين لا تستعمل لوصف مهاجرين من بحر إيجه و كليكا ، كما أنها لا تستعمل لوصف العناصر المشاغبة في الإمبراطورية المصرية الأخيرة ، فقد استعملت في وقت متأخّر جداً كاسم لشعب السهل الساحلي الجنوبي و جماعة تنتسب إلى سكان الدول المدنية في فاستيا ، سكان السهول الساحلية الفلسطينية كانوا من أصول مختلفة و معظمها من الساميين الغربيين الجزريين الأهليين في فلسطين ، من حيث ثقافتهم المادية و لغتهم و ديانتهم ، تعبير "فلسطين" يشير مبدئياً إلى حقيقة جغرافية ، و في القصص التوراتية يكتسب سمة إثنية محدودة خيالية كمناهض رئيس لظهور شعب "إسرائيل" ، كما في قصص القضاة و صموئيل 1 - 2 ، "الفلسطينيون لم يوجدوا كشعب إلا في المنظور العرقي التوراتي اللاحق ، إشارات النصوص الآشورية إلى "بي - ليس - تي" مثل الإشارات إلى "آ - يو - دي" جغرافية تناقض الإشارات الإثنية" (14) . و الكلام ما زال لنفس الباحث "و القول إن الفلسطينيين يمثلون شعباً غريباً متطفلاً على فلسطين يجب إنكاره" .
التأثير الوارد من بحر إيجه جزئي ، و على أساس البينات المعروفة كان هامشياً و سطحياً في اللغة و الديانة و الأشياء المادية حتى أقدم أشكال الفخاريات المدعوة فلسطينية - كانت ثقافة المنطقة الساحلية وطنية تماماً ، يمكن القول إنها متأثّرة بحضارة بحر إيجة و لكنها سامية - جزرية تماماً و ذات طابع حضاري فلسطيني (15) .
و الحقيقة أن المخلّفات الحضارية الفلسطينية في نهاية الألف الثاني قبل الميلاد - بما في ذلك الساحل الفلسطيني - تعتبر استمراراً لحضارة العصر البرونزي الأخير ، و من أهم المكتشفات التي تنسب عادة للفلسطينيين فخّار ملون بأشكال هندسية و طيور ، و تظهر أيضاً أشكال حلزونية و مجموعات من أنصاف دوائر متشابكة ، إنما أشكال الأواني نفسها فمشابهة للأواني التي عثِر عليها في جزيرتي رودس و قبرص ، و لكنها غير مطابقة لها ، و من الصعب اعتبارها مستوردة ، بل على العكس فإن طينة الفخار محلية و صانعوها محليون أيضاً رغم تأثّرهم بصناعة الفخار المعروفة في الجزر الإيجية .
و ظهرت التأثيرات الكنعانية المحلية على مخلفات الفلسطينيين من خلال أسماء آلهتهم أمثال داجون و عشترون ، كما أن العمارة من مباني عامة و منازل مستمدة من التقليد المعماري للعصرين البرونزي الوسيط و الأخير ، و الحياة الدينية عند سكان الساحل الفلسطيني كنعانية الأصل ، و كذلك المباني الدينية و أهمها : سلسلة المعابد المتعاقبة في تل القصيلة التي أنشئت على غرار المعابد الكنعانية مع ما يظهر عليها من تأثيرات مصرية و إيجية .
و بذلك يصعب على الباحث التفريق بين ما يمكن نسبته إلى المجموعات البشرية التي سكنت فلسطين في أواخر الألف الثاني قبل الميلاد ، فوجود هذا الصنف من الفخار أو ذاك في منطقة معينة لا يدلّ بالضرورة على سكنى هذه المنطقة من مجموعة إثنية مختلفة ، و لكنها غالباً ما تعني أن هذه المنطقة وقعت تحت تأثيرات خارجية (16) .
و يؤكّد الأستاذ الدكتور نجيب ميخائيل إبراهيم بدوره "أن كفتور هذه يظن أنها كريت ، و قد يكون هذا الرأي صواباً ، ما دام بعض بلاد الفلسطينيين يطلق عليها اسم جنوبي الكريتيين" تميّزاً لهم عن يهوذا و كالب ، و لئن صح ذلك – و هذا ما نرجّحه و نميل إلى الأخذ به - فإننا أمام هجرة سامية جزرية مرتدة من كريت ، ربما نتيجة ضغط من ناحية الهلينيين، هذا إلى أن أسماء الفلسطينيين و أسماء مدنهم تشير إلى أنهم ساميون – جزريون – و لكن (الإسرائيليين) يشيرون إلى أنهم قوم لا يختنون ، و هو اصطلاح ينأى بهم عن الساميين - الجزريين و المصريين معاً ، و رغم ذلك فإننا نراهم يمارسون عادات الكنعانيين و يتحدثون لغتهم ، كما أن معبوداتهم تغلب عليهم النزعة السامية – الجزرية ، فمن بينها"داجون" إله الحبوب ، و "آثار حاتس" العسقلوني و "بلعزبون" العقروني (17) ."انطلاقاً من كل هذا ، و تخريجاً عليه ، يتضح أن كريت لا بد أنها استعمرت يوماً بواسطة الكنعانيين و المحتمل جداً أن بعضهم بعد أن اتصلوا طويلاً بالقبائل اليونانية رجعوا ثانية شرقاً إلى موطنهم الأصلي فلسطين ، فبغضّ النظر عن أسماء بلدانهم ، فإنّا نرى كذلك عدداً من أسماء أشخاصهم سامية و جزرية ، و منهم أبيمالك ، دليلة ، عبيد أيدوم – و ربما أيضاً أشبى ، صاف ، جوليات ، رفح .
و يظهر أن ديانتهم تطبّق نفس الأساليب السامية - الجزرية في تقديس معبودين اثنين ذكر و أنثى ، فلداجون آلهة من الأسماك بجانبيه ، و الأسماء داجون و بلعزبون آلهة أصلاً ، و لا ينفي هذا كون الفلسطينيين لا يمارسون عمليات الختان ، فربما أبطلوا إجراءها عندما هاجروا إلى كريت ، لذلك و لكل ما مرّ بنا ، فإني مضطر للاستنتاج بأن "الأصول الأجنبية لفلسطينيي الحقبة الآشورية و أصولهم المزعومة من كفتور مجرّد خيال خلفته الروايات التوراتية كقرين لأصول يهودا أنفسها ، فيهودا و الفلسطينيون كلاهما كيانات ثقافية أهلية في فلسطين ، و ناتجة عن حضارة و سكان العصر البرونزي ، الذين كانوا خلال العصر الحديدي الثاني ، متمايزين في مجموعات شبه إثنية ، على شكل دويلات تحت حكم إمبراطورية خارجية" (18) .
وفي نهاية المطاف ، أرجو أن أكون قد وفقت في الإجابة عن السؤال المطروح في بداية دراستنا ، و لكن يبقى شيء و هو "أن العرب الفلسطينيين الذين ما زالوا يعيشون في فلسطين هم الأبناء الحقيقيون للسكّان الساميين - الجزريين الأساسيين ، و جذورهم ليست قائمة في سوريا ، أو لبنان ، أو الأردن أو مصر بل إن البلاد التي عرفوها و لم يعرفوا سواها قط هي بلاد فلسطين" (19) .
إذاً فالفلسطينيون مزيج عرقي له نواة قوية عريقة في القدم ، و قد كان أجداد اللاجئين العرب الفلسطينيين الذين يحيون اليوم في الغربة حياة بائسة ، يحرثون الحقول في فلسطين قبل ثلاثة آلاف عام ، و يبدو أنه مما يتّصل بذلك أن اللاجئين الفلسطينيين يكنّون لوطنهم حباً لا يمكن تصوّره أبداً ، إنهم يثيرون انطباعاً مؤدّاه أنهم شعب يضرب بجذوره في الأرض متعلّقاً بكلّ بيتٍ ريفي صغير ، و بكل شجرة برتقال ، و بكل حجر ، فليس الفلسطينيون رعاة لا يعنيهم كثيراً أن يستقرّوا هنا تارة ، و هناك تارة أخرى ، و مع ذلك فأكثر العرب يكتفون في النزاع الفلسطيني ، بالإشارة إلى التراث التاريخي العربي - الإسلامي الذي دام ألفاً و ثلاثمائة عام ، و على أية حال فقد تم تعريب فلسطين في وقت كانت فيه هجرات الشعوب تجري على قدم و ساق ، و لم تكتشف أمريكا إلا بعد ذلك بـ (580) عاماً (20) .
و هذا الإهمال مقصود لذاته بسبب سيطرة المؤرّخين اليهود و الصهاينة على مجال الكتابة التاريخية عن فلسطين ، و لذلك فقد أخرجوا تاريخ الشعب الفلسطيني القديم من دائرة البحث كشعبٍ من شعوب الشرق الأدنى القديم ، و مركّزين تركيزاً شديداً على دراسة تاريخ (الإسرائيليين) ، و ذلك لتأصيل الوجود الصهيوني المزعوم في فلسطين ، باستبعاد الفلسطينيين الذين سميت المنطقة باسمهم .
و يبدأ تاريخ فلسطين عملياً لهؤلاء الكتاب فقط عند بدء تاريخ "إسرائيل" و عندما تصبح فلسطين في وفاقٍ و انسجام تامّين مع "إسرائيل" ، و السبب في ذلك لا يمكن أن نقول إن بؤرة التركيز هي على تاريخ "إسرائيل" ، أو الادعاء بأن سرد هؤلاء المؤرّخين للتاريخ يبدأ عند ظهور "إسرائيل" على مسرح الأحداث ، ذلك لأنهم جميعاً يعالجون فترات ما قبل ظهور "إسرائيل" أو (الإسرائيليين) ، و لكنهم جميعاً يرفضون بثبات استعمال تعبير "الفلسطينيين" للدلالة على المكان، حتى إن استعملوا تعبير فلسطين للدلالة على أشياء جامدة مثل : المكان المادي و الاقتصادي .
إن رفض استعمال صفة واحدة لنعت سكان المنطقة هو إذاً إنكار للوجود و للتاريخ الفلسطيني ، و لهذا فإن فلسطين توصف على أنها منطقة صغيرة و فقيرة و معزولة . و هذه أوصاف شائعة في الدراسات التوراتية ، ثم يتغير هذا الوضع وتصبح فلسطين مرموقة فقط بسبب الوجود التاريخي المزعوم لـ (إسرائيل) فيها ، و على هذا فإن الدراسات التوراتية متورّطة في تجريد الفلسطينيين من وطنهم ، و لهذا مقابل سياسي معاصر متمثل في السيطرة الصهيونية على الأرض و سلب الشعب الفلسطيني من أرضه و تصويره على أنه شعب بلا تاريخ أو تجريده من هذا التاريخ . و هكذا نرى أن الخطاب التوراتي يجعل الفلسطينيين شعباً غير ذي أهمية ، و في نهاية الأمر غير موجود .
يختلف الباحثون و الأثريون حول أصل الفلسطينيين ، فمنهم من يعتبرهم مجموعة من شعوب البحر ، و اعتبرهم آخرون أنهم من سكان فلسطين أصلاً و امتزجوا بمجموعات شعوب البحر الذين أثّروا في حضارتهم ، و أدخلوا عليها مواداً و عادات جديدة أصبحت متميزة في الكثير من مواقع الساحل الفلسطيني الجنوبية ، و ما زال النقاش محتدماً حول موطنهم الأصلي ، مع الأخذ بعين الاعتبار أن أصحاب الرأي الأول غالباً ما كانوا من التوراتيين أو المتأثرين بالدراسات التوراتية التقليدية .
و لهذا ستتناول الأسطر التالية أهم الآراء التي تكوّنت عن الفلسطينيين ، و ذلك بما يسمح به إطار هذه الدراسة ، و ما يتيسّر من معلومات و مصادر تتعلق بهذا الموضوع .
الفلسطينيون في المصادر القديمة :
"الفلسطينيون" مصطلح يطلق على القبائل التي استوطنت شاطئ فلسطين – كنعان - الجنوبي الغربي من غزة جنوباً إلى يافا شمالاً ، و منهم جاءت تسمية فلسطين التي ما زالت مستعملة حتى يومِنا هذا للدلالة على أرض فلسطين الحالية ، و أهم المدن التي استوطنوها (غزة و عسقلان و أشدود و عقرون و جت) و كانت مدن الفلسطينيين هذه على الساحل عدا مدينة "جت" التي كانت تمتد قليلاً إلى الداخل ، و لم يؤسس الفلسطينيون مستعمرات ما عدا مدينتي "اللد" و "صقلغ" في أقصى جنوبي مدينة يهوذا .
وأقدم ذكرٍ للفلسطينيين ورد في النصوص المصرية و الآشورية ، فقد سميت بلادهم باسم "بالاستو" فلسطين Palastu أو بيلسيتوPilistu ، و هو نفس الاصطلاح اليوناني فلستيا Philidtia الذي أصبح باليستينا (فلسطين) ، و قد كثر ذكرهم في التوراة ، فقد سمتهم التوراة كفتورين ، و ذكرت أن وطنهم في جزيرة كفتور المناظرة لكفيتو في المصادر المصرية و التي يقولون إنها جزيرة كريت .
و في التعريف بـ "فلسطين" و "الفلسطينيون" في المصادر اليهودية نجد تعتيماً شديداً و إيهاماً بأن الفلسطينيين شعب غريب ليست له أصول في المنطقة ، ففي دوائر المعارف اليهودية يرد الحديث عن فلسطين و الفلسطينيين في شكل مقتضب و غامض يوحي للقارئ بعدم أهمية المكان و سكانه ، و يؤكّد على عدم أصالته و على كونه شعباً غريباً .
الفلسطينيون من شعوب البحر الأبيض المتوسط تعود أصولهم إلى مواقع في آسيا الصغرى و اليونان و أتوا إلى فلسطين في موجات متعاقبة . و قد أتت إحدى هذه الموجات قبل عصر الآباء ، و استقرت جنوب بئر السبع ، حيث دخلوا في صراع مع إبراهيم و إسحاق ، و أتت موجة أخرى من كريت بعد طردها من مصر على يد رمسيس الثالث في 1194 ق.م فاحتلت المنطقة الساحلية من جنوب فلسطين ، حيث أنشأوا خمس مدن هي : غزة و عسقلان و جت و أشدود و عقرون ، و لأنهم شعب محارب بالفطرة فقد تسيّدوا أجزاء أخرى من يهوذا زمن العصاة و هزموا شاؤول لكن داود هزمهم و وضع نهاية لسيادتهم ، و بعد سقوط المملكة الإسرائيلية استعاد الفلسطينيون استقلالهم ، و لكنهم لم يصبحوا أبداً عاملاً رئيسياً في المنطقة .
و في العصرين الفارسي و اليوناني تغلّب مستوطنون أجانب من جزر البحر المتوسط على المدن الفلسطينية ، و أطلق اليونان منذ هيرودوت اسم فلسطين على هذه المنطقة نسبة إلى الفلسطينيين (فلسطين السورية) ، و في عصر هارديان أطلق الرومان هذا الاسم رسمياً على إقليم يهوذا"(1) .
و قد تطور معنى كلمة فلستي Philistine عبر التاريخ و طرأت عليه تغيرات مهمة : فهي تعني بالنسبة للإنسان الغربي اليوم الفلسطيني القديم ، و تجدر الإشارة إلى أن وصف Philistine يستعمل لوصف الشخص المادي النزعة و الفج المعادي للثقافة ، و هو إنسان محدود الأفق ، و بعيد عن الثقافة الرفيعة كما يعرفه قاموس أكسفورد ، و هو تعريف ينمّ عن تأثير التفسير التوراتي للتاريخ لمصلحة اليهود .
و قد بلغ التشويه إلى حد أن الدعاية الصهيونية روّجت للقصة التوراتية عن جليات و داود ، حيث تصوّر انتصار داود الصغير بالمقلاع على جليات ، و كان من جبابرة الفلستين إذ بلغ طوله أكثر من تسعة أقدام ، و كانت أدواته الحربية مناسبة لطوله و قوته ، و يرى د. عبد الوهاب المسيري في "موسوعة اليهود و اليهودية و الصهيونية" أن الدعاية الصهيونية نجحت في ترسيخ صورة داود رمزاً لـ (إسرائيل) ، الذي يستخدم ذكاءه و مهارته في هزيمة عدوه ، مقابل صورة جليات رمزاً للعربي الذي يتسم بضخامة الحجم و كثرة السلاح ، و لكنه لا يستخدم عقله فيُمنى بالهزيمة (2) .
و يجب أن لا نظنّ أن أسلاف عرب فلسطين كانوا يمثّلون البربرية بكل مظاهرها ، لأنهم كانوا فلاحين ، و لأنهم أقاموا على الوثنية أمداً طويلاً ، فيذكر روبنسون : "لقد كان الفلسطينيون يملكون ثقافة متقدّمة و عريقة" ، و يضيف قائلاً : "إنها سخرية عجيبة من سخريات القدر أن كتب على لفظة فلسطيني أن تكون مرادفة لكلمة بربري ، و قد نشأ هذا الاستخدام اللفظي : لأن تاريخ أيامهم وصل إلينا عن طريق (الإسرائيليين) الذين لم يكن في ضميرهم إنصاف لأعدائهم(3).
نظريات حول أصل الفلسطينيين :
يؤرخ جـ. ل. مايزر لأصول الفلسطينيين قائلاً : "إن الزائرين المينيين معروفون زهاء قرن من الزمان في البلاط المصري ، و قد كان المصريون يدعونهم كيفتو حتى عهد أمنحوتب الثالث ، و كانوا يقدمون مصر زائرين و تجاراً و على رؤوسهم تلك الجدائل من الشعر التي كانت إحدى مميزاتهم ، كما كانوا يلبسون جلابيبهم ذوات الألوان الزاهية ، كما كانوا يجلبون معهم أنماطاً من مصوغاتهم الفنية من الذهب و الفضة .
و لكن قدوم الكيفتو Kiftiu انقطع منذ تربع أمنحوتب الثالث على عرش مصر و حلّ محلهم الشاردانا Shardana و الدانونا Danauna و هؤلاء هم رجال حرب سواء كانوا مخاصمين أم مأجورين ، و بعض هؤلاء ألحقوا بالجيش المصري و عهد إليهم أن يمنعوا أبناء جلدتهم من دخول البلاد ، و إذا ما اعتمدنا على رواية مانتيون أحد المؤرخين الوطنيين - فإن أحد هؤلاء الحراس أنفسهم جعل نفسه ملكاً بعض الوقت إبان الفوضى التي كانت سائدة في البلاد عقب وفاة إخناتون حوالي سنة 1365 ، و لم تنقطع شاردانا Shardana عن شن الغارات ، حيث ظلت تقوم بغارات متوالية بين الفينة و الفينة إلى سنة 1200 .
و لم يكونوا منفردين بالإغارة بعد سنة 1300 ، بل أسهم فيها معهم عدد من الشعوب الأخرى ، أخذ في الزيادة فضلاً عن أن غاراتهم كانت أوسع مدى و أبلغ ضرراً ، و أكبر اعتداءين وقعا في عامي 1230 و 1200 ، و كان الاعتداء الأول في عصر مرنفتاح و كان يصحبه غزو من طريق الساحل قام به الليبيون على غرب الدلتا ، و لم ينفرد الليبيون و الشاردانا بالغزو ، بل قام بالغزو كذلك الإخيفاشا Akhaivasha و الشاكلشا Shakalsha و التورشا Tursha و اسم الأول من هؤلاء أصبح منطبقاً في العصر الحاضر على الآخينين Acheans و أواخر هذه الأسماء تشبه النهاية التي في آخر كنوس Cnossus و سجالاسوس Sigalassus و بعض أسماء بلاء أخرى إيجيه ، و الاسمان الأخيران و هما لا يزالان موضع تحقيق و بحث قد زاد الاعتقاد الآن بأنهما مشتقان من أصل إيجي .
و ليس من شك أن هناك اتجاهاً قوياً إلى اعتبار التورشا Tursha هم التورسيني Turseni الذين استوطن بعضهم اترويا Etruria و أن الشاكلشا و الشاردانا أطلقوا أسماءهم على أوطانهم الحديثة كذلك في صقلية و كردينيا .
و وقع اعتداء ثانٍ في السنة الثامنة من حكم رمسيس الثالث اشترك في القيام به قوة برية و قوة بحرية ، و كان مصدرها هذه المرة الجانب السوري ، و كان من بين المعتدين الدانيونا Danauna و الشاكلشا و قد اعتدوا على مصر من قبل و شاركهم التكراي Tikkarai و قبائل أخرى حديثة بعضهم فيما يبدو من الإيجيين و بعضهم من شمال سورية، و من آسيا الصغرى ، و كان منهم قوة من الحيثين ، و لعل الباعث هذه المرة أكثر وضوحاً منه في المرة السابقة .
فإن القوة البرية قدمت تصحبهم أسرهم و متاعهم على مركبات كبيرة ذوات عجل ، و القوة البحرية في سفن شراعية كبيرة ، و في أعلى صواريها علامة الحرب ، و كانت أسطح السفن ملأى بأبطال في عدة طيبة من الأسلحة على حد تعبير أعدائهم الشجعان ، فمن الواضح إذاً أنهم قدموا للاستقرار ، و مع أن ملك مصر حال دون دخولهم على إثر معركة حامية وقعت في جنوب سورية و معركة أخرى بحرية ، فقد كان عليه أن يتصرّف في أمر من لم يقتل من المحاربين ، و في أمر من لم يشترك في القتال كذلك ، و كان يقيم بالسهول الساحلية في فلسطين خليط من الوطنيين و الأجانب ، فامتداد هؤلاء بالفئة الحديثة القادمة يجعل من هؤلاء الأهالي المحبين للحروب المدينين بالولاء لمصر حائلاً دون أي اعتداء على مصر مستقبلاً ، و هذه هي عين السياسة التي جعلت مصر تتخذ من الشاردانا حراساً لها من قرن من الزمان .
و كان اسم أشهر هؤلاء النزلاء البلشتا Pulishta لا يبعد أن يكون هذا اللفظ من الأصل اللغوي للاسم الغامض البلاسجيين Pelasgi و هو اسم نقله الكتاب الإغريق من شعبٍ قديم من القراصنة في المنطقة الإيجية ، و لا ريب في أنه اسم ينطبق على اسم الفلسطينيين و على لفظ فلسطين الذي انتقل من الساحل حتى أطلق على سورية الجنوبية كلها (4) .
و يفترض "جي - إي - رايت" افتراضاً على منوال تاريخ "مايزر" لأصول الفلسطينيين ، فيذكر أن "شعوب البحر المهاجرين قد وطدوا أنفسهم على الساحل الفلسطيني كمستعمرات مرتزقة ، حيث أصبحوا وكلاء ثم خلفاء للسلطة المصرية في فلسطين" (5) .
و قد وصلت إلى أيدي علماء الآثار معلومات وافية عن الفلسطينيين في الكتابات و النقوش التي سجّلها "رمسيس الثالث" علىِ جدران معبد "آمون" في مدينة "هابو" غربي مدينة طيبة ، و قد ملأت هذه الكتابات و النقوش آلافاً من الأقدام المربعة كلها منحوتة على الحجر ، و قد احتوت على سجلٍ كاملٍٍ لحملات الفراعنة و حروبهم .
و قد شغلت تسجيلات رمسيس الثالث حيّزاً كبيراً من هذه الكتابات و النقوش عن انتصاراته في البر و البحر على حشود الفلسطينيين الذين غزوا مصر في عهده .
و يستبان من هذه السجلات أن الفلسطينيين قد أثاروا الرعب و الفزع في صفوف المصريين لقدرتهم و تمرّنهم على القتال في البحر و البر ، فيصفهم رمسيس الثالث بقوله : "لم يستطع أي قطر من الأقطار أن يصمد أمام قوتهم القاهرة ، فقد دمّروا أرض الحيثين و كود و كركميش و قبرص كلها دمّرت بضربة واحدة ، سحقوا شعوبها و دمّروا أراضيها و لم يتركوا لها أثراً حتى أصبحت و كأنها لم تكن ، و حملوا على مصر و بسطوا أيديهم على جميع البلاد إلى أبعد أطراف العالم و قلوبهم عالية عامرة بالثقة بأنفسهم ، و لكن تخطيطنا سينجح" .
و يصف رمسيس الثالث بعد ذلك المعركتين اللتين خاضهما معهم إحداهما برية و الثانية بحرية ، و انتصاراته عليهم مع تصاوير توضيحية لهذه المعارك ، و يستبان من هذه التصاوير - بحسب رأي الدكتور "أحمد سوسة" - أن الفلسطينيين يتميّزون بلباس الرأس المليء بالريش ، و سحنتهم هي أقرب إلى الأوروبيين و بوجه خاصٍ إلى اليونانيين و سلاحهم السيف العريض ، و كانوا يحملون دروعاً مدوّرة و رماحاً مسننة و معهم عربات ذات عجلات مدوّرة من قطعة واحدة تجرّها الثيران المحدبة الضخمة (6) .
أما العالم الأثري الأمريكي "جيمس هنري برستد" فالرأي عنده أن أهالي بلست و هم الفلسطينيون - إنما أصلهم من جزيرة كريت (7) . و يشير (هول) إلى أن الفلسطينيين قد أتوا مع الشاردانا و جموع من شعوب البحر من زاوية جنوب غرب آسيا ، و هناك ما يدعو إلى الاحتمال بأن القبائل الكارية و من بينهم الفلسطينيون قد احتلوا نهاية شرق كريت ، و ذلك عند سقوط قوة كنسوس و انهيار الحضارة المينوية .
ثم يقرّر هول بعد ذلك أن موطن الفلسطينيين إنما كان في حقيقته في ليسيا و كاريا ، و يقرّر بونفايت بعد دراسة لغوية لتغيير اسم الفلسطينيين أن الفلسطينيين شعب "هندو أوروبي" أتى من كريت ، و لكنه لم ينشأ بها أصلاً .
و يذهب ويترايت إلى أن الفلسطينيين من كفتور ، و لكنه يرى أن كفتور ليست كريت ، ذلك لأن فكرة أن كفتور هي كريت لا تعتمد على شيء أكثر من ترجمات التوراة التي تتحدث عنها على أنها "جزر كفتور" ثم وجد بعد ذلك أن جزيرة كريت هي جزيرة مناسبة و كبيرة تصلح للغرض ، و رغم ذلك فإن الكلمة العبرية التي ترجمت "جزر" إنما تعني أصلاً الأرض الساحلية ، و تستعمل مثلاً لشاطئ فلسطين ، و هناك أدلة أثرية تجعل الإصرار على الاعتقاد بأن كفتور هي كريت ، يجرّنا إلى اضطراب لا نهاية له .
و يرى ويترايت بعد ذلك أن الفلسطينيين قد أتوا من كفتور ، و أن كفتور هذه إنما كانت بلداً عند نهر كاليكادنوس ، كما يظهر ذلك من ترجمة كفتور بقبادوقيا في الترجمة التوراتية سبتواجنيتا مرتين ، ذلك لأن المترجمين ربما كانوا في عمل بمملكة قبادوقيا العظيمة ، كما أن كابديروس إنما كان لقباً لملك كفتور ، و التي تعادل هنا "سليسيا" و من ثم فمن الواضح أن الفلسطينيين كانوا قد احتلوا "سليسيا" الغربية ، و الأكثر احتمالاً المنطقة أعلى و أسفل نهر كاليكادنوس إنما كانت من سليسيا - ترشيا و سواحلها .
و ينتهي "وينرايت" إلى أن مجموعة قبائل الفلسطينيين ثيكر و دنين إنما يكوّنون مجموعة من القبائل في سليسيا ، الفلسطينيون و الثيكر في الجزء الغربي من البلاد ، بينما دنين في الجزء الشرقي منها (8) .
و يذكر المؤرخ الدكتور "فيليب حتى" أنه مما يساعد في الدلالة على أن الفلسطينيين كانوا أوروبيين - الرسوم التي وجدت على البناء التذكاري الذي أقامه "رمسيس الثالث" ، كما يدل على قدومهم من جزر اليونان و خاصة كريت نموذج الخزف الذي أدخلوه ، و بما أنهم أتوا معهم بنسائهم ، فإنهم ظلّوا مترفعين في أول الأمر يشكّلون طبقة عسكرية أجنبية تقيم في الحاميات ، و تمثل حضارة أجنبية ، و قد نظّمت مدنهم الخمس بشكل ممالك مدن كل منها تحت حكم سيد ، و لكنها جميعاً كانت تشكل اتحاداً ، و يبدو أن السيادة كانت لمدينة أشدود (9) .
و يرى العالم الأثري التوراتي "وليم أولبرايت" أن الفلسطينيين قد جلبوا حضارتهم الخاصة معهم ، و لكنهم سرعان ما اندمجوا و امتزجوا مع الكنعانيين الذين هزموا على أيديهم (10) .
و هذا ما يؤكّده "لودس" في كتابه "إسرائيل" من أن الفلسطينيين قد "تكنعنوا" على حدّ قوله بسرعة في حوالي القرن الحادي عشر قبل الميلاد في خلال فترة تقل عن 150 عاماً بعد استقرارهم على أرض فلسطين ، و أن الإله الرئيسي الذي كانوا يعبدونه هو "داجون" و قد ورد ذكره في التوراة و هو بلا شك نفس الإله "داجان" إله الغلة الذي يعبده الكنعانيون (11) .
عرب لا أوروبيون :
يذكر الأستاذ "روبرتسن سميث" أن الفلسطينيين يوصفوا أحياناً بأنهم شعب غير سامٍ ، و من الجدير بالذكر أن بعض الباحثين يخطئون تسميته السامية ، يطلقون عليها اسم الجزرية أو الهجرات الجزرية على اعتبار أن موطنها الأول هو الجزيرة العربية ، إلا أنه ثبت عدم كفاية الأسانيد التي تؤيد هذا الرأي ، و رغم دخولهم إلى فلسطين عبر البحر ربما من كريت ، إلا أنهم كانوا إما من أصل سامي –جزري - أو كانوا على الأقل يصطبغون بالصبغة السامية - الجزرية بالفعل سواء في اللغة أو في الديانة لدى هجرتهم (12) .
فآخر الدراسات التاريخية تشير إلى أنه يبدو أن سكان كريت الأول ، و الذين أقاموا الحضارة المينوية الزاهرة فيها ، وصلوا إليها ما بين الألف الرابع و الثالث قبل الميلاد من آسيا الصغرى ، و أغلب الظن أن حضارتهم تأثّرت بالحضارة السومرية ، و لقد أصبح الآن معروفاً أن أهل كريت كانوا يتحدّثون لغة سامية - جزرية إلى جانب اللغة اليونانية في صورتها البدائية ، بالرغم من أن الوثائق سجّلت اللغتين مكتوبتين بطريقة مقطعية واحدة .
أما من ناحية الجنس ، فقد قام بعض العلماء بفحص جماجم الكريتيين ، و تبين أنها مستطيلة الشكل ، و أنها تدل على جنس البحر الأبيض المتوسط ، و لكن بعضها كان مستديراً ، و يبدو أن الجنس الألباني اعتاد التردد على الجزيرة (13) .
و يشير "توماس طمومسون" إلى أن كلمة فلسطين لا تستعمل لوصف مهاجرين من بحر إيجه و كليكا ، كما أنها لا تستعمل لوصف العناصر المشاغبة في الإمبراطورية المصرية الأخيرة ، فقد استعملت في وقت متأخّر جداً كاسم لشعب السهل الساحلي الجنوبي و جماعة تنتسب إلى سكان الدول المدنية في فاستيا ، سكان السهول الساحلية الفلسطينية كانوا من أصول مختلفة و معظمها من الساميين الغربيين الجزريين الأهليين في فلسطين ، من حيث ثقافتهم المادية و لغتهم و ديانتهم ، تعبير "فلسطين" يشير مبدئياً إلى حقيقة جغرافية ، و في القصص التوراتية يكتسب سمة إثنية محدودة خيالية كمناهض رئيس لظهور شعب "إسرائيل" ، كما في قصص القضاة و صموئيل 1 - 2 ، "الفلسطينيون لم يوجدوا كشعب إلا في المنظور العرقي التوراتي اللاحق ، إشارات النصوص الآشورية إلى "بي - ليس - تي" مثل الإشارات إلى "آ - يو - دي" جغرافية تناقض الإشارات الإثنية" (14) . و الكلام ما زال لنفس الباحث "و القول إن الفلسطينيين يمثلون شعباً غريباً متطفلاً على فلسطين يجب إنكاره" .
التأثير الوارد من بحر إيجه جزئي ، و على أساس البينات المعروفة كان هامشياً و سطحياً في اللغة و الديانة و الأشياء المادية حتى أقدم أشكال الفخاريات المدعوة فلسطينية - كانت ثقافة المنطقة الساحلية وطنية تماماً ، يمكن القول إنها متأثّرة بحضارة بحر إيجة و لكنها سامية - جزرية تماماً و ذات طابع حضاري فلسطيني (15) .
و الحقيقة أن المخلّفات الحضارية الفلسطينية في نهاية الألف الثاني قبل الميلاد - بما في ذلك الساحل الفلسطيني - تعتبر استمراراً لحضارة العصر البرونزي الأخير ، و من أهم المكتشفات التي تنسب عادة للفلسطينيين فخّار ملون بأشكال هندسية و طيور ، و تظهر أيضاً أشكال حلزونية و مجموعات من أنصاف دوائر متشابكة ، إنما أشكال الأواني نفسها فمشابهة للأواني التي عثِر عليها في جزيرتي رودس و قبرص ، و لكنها غير مطابقة لها ، و من الصعب اعتبارها مستوردة ، بل على العكس فإن طينة الفخار محلية و صانعوها محليون أيضاً رغم تأثّرهم بصناعة الفخار المعروفة في الجزر الإيجية .
و ظهرت التأثيرات الكنعانية المحلية على مخلفات الفلسطينيين من خلال أسماء آلهتهم أمثال داجون و عشترون ، كما أن العمارة من مباني عامة و منازل مستمدة من التقليد المعماري للعصرين البرونزي الوسيط و الأخير ، و الحياة الدينية عند سكان الساحل الفلسطيني كنعانية الأصل ، و كذلك المباني الدينية و أهمها : سلسلة المعابد المتعاقبة في تل القصيلة التي أنشئت على غرار المعابد الكنعانية مع ما يظهر عليها من تأثيرات مصرية و إيجية .
و بذلك يصعب على الباحث التفريق بين ما يمكن نسبته إلى المجموعات البشرية التي سكنت فلسطين في أواخر الألف الثاني قبل الميلاد ، فوجود هذا الصنف من الفخار أو ذاك في منطقة معينة لا يدلّ بالضرورة على سكنى هذه المنطقة من مجموعة إثنية مختلفة ، و لكنها غالباً ما تعني أن هذه المنطقة وقعت تحت تأثيرات خارجية (16) .
و يؤكّد الأستاذ الدكتور نجيب ميخائيل إبراهيم بدوره "أن كفتور هذه يظن أنها كريت ، و قد يكون هذا الرأي صواباً ، ما دام بعض بلاد الفلسطينيين يطلق عليها اسم جنوبي الكريتيين" تميّزاً لهم عن يهوذا و كالب ، و لئن صح ذلك – و هذا ما نرجّحه و نميل إلى الأخذ به - فإننا أمام هجرة سامية جزرية مرتدة من كريت ، ربما نتيجة ضغط من ناحية الهلينيين، هذا إلى أن أسماء الفلسطينيين و أسماء مدنهم تشير إلى أنهم ساميون – جزريون – و لكن (الإسرائيليين) يشيرون إلى أنهم قوم لا يختنون ، و هو اصطلاح ينأى بهم عن الساميين - الجزريين و المصريين معاً ، و رغم ذلك فإننا نراهم يمارسون عادات الكنعانيين و يتحدثون لغتهم ، كما أن معبوداتهم تغلب عليهم النزعة السامية – الجزرية ، فمن بينها"داجون" إله الحبوب ، و "آثار حاتس" العسقلوني و "بلعزبون" العقروني (17) ."انطلاقاً من كل هذا ، و تخريجاً عليه ، يتضح أن كريت لا بد أنها استعمرت يوماً بواسطة الكنعانيين و المحتمل جداً أن بعضهم بعد أن اتصلوا طويلاً بالقبائل اليونانية رجعوا ثانية شرقاً إلى موطنهم الأصلي فلسطين ، فبغضّ النظر عن أسماء بلدانهم ، فإنّا نرى كذلك عدداً من أسماء أشخاصهم سامية و جزرية ، و منهم أبيمالك ، دليلة ، عبيد أيدوم – و ربما أيضاً أشبى ، صاف ، جوليات ، رفح .
و يظهر أن ديانتهم تطبّق نفس الأساليب السامية - الجزرية في تقديس معبودين اثنين ذكر و أنثى ، فلداجون آلهة من الأسماك بجانبيه ، و الأسماء داجون و بلعزبون آلهة أصلاً ، و لا ينفي هذا كون الفلسطينيين لا يمارسون عمليات الختان ، فربما أبطلوا إجراءها عندما هاجروا إلى كريت ، لذلك و لكل ما مرّ بنا ، فإني مضطر للاستنتاج بأن "الأصول الأجنبية لفلسطينيي الحقبة الآشورية و أصولهم المزعومة من كفتور مجرّد خيال خلفته الروايات التوراتية كقرين لأصول يهودا أنفسها ، فيهودا و الفلسطينيون كلاهما كيانات ثقافية أهلية في فلسطين ، و ناتجة عن حضارة و سكان العصر البرونزي ، الذين كانوا خلال العصر الحديدي الثاني ، متمايزين في مجموعات شبه إثنية ، على شكل دويلات تحت حكم إمبراطورية خارجية" (18) .
وفي نهاية المطاف ، أرجو أن أكون قد وفقت في الإجابة عن السؤال المطروح في بداية دراستنا ، و لكن يبقى شيء و هو "أن العرب الفلسطينيين الذين ما زالوا يعيشون في فلسطين هم الأبناء الحقيقيون للسكّان الساميين - الجزريين الأساسيين ، و جذورهم ليست قائمة في سوريا ، أو لبنان ، أو الأردن أو مصر بل إن البلاد التي عرفوها و لم يعرفوا سواها قط هي بلاد فلسطين" (19) .
إذاً فالفلسطينيون مزيج عرقي له نواة قوية عريقة في القدم ، و قد كان أجداد اللاجئين العرب الفلسطينيين الذين يحيون اليوم في الغربة حياة بائسة ، يحرثون الحقول في فلسطين قبل ثلاثة آلاف عام ، و يبدو أنه مما يتّصل بذلك أن اللاجئين الفلسطينيين يكنّون لوطنهم حباً لا يمكن تصوّره أبداً ، إنهم يثيرون انطباعاً مؤدّاه أنهم شعب يضرب بجذوره في الأرض متعلّقاً بكلّ بيتٍ ريفي صغير ، و بكل شجرة برتقال ، و بكل حجر ، فليس الفلسطينيون رعاة لا يعنيهم كثيراً أن يستقرّوا هنا تارة ، و هناك تارة أخرى ، و مع ذلك فأكثر العرب يكتفون في النزاع الفلسطيني ، بالإشارة إلى التراث التاريخي العربي - الإسلامي الذي دام ألفاً و ثلاثمائة عام ، و على أية حال فقد تم تعريب فلسطين في وقت كانت فيه هجرات الشعوب تجري على قدم و ساق ، و لم تكتشف أمريكا إلا بعد ذلك بـ (580) عاماً (20) .